الخطأ القرطاجي الاستراتيجي

في العام ٤٨٠ ق.م هاجم الملك اكزرسس الفارسي اثينا واحرقها انتقاما لمدينة ساردس التي دمرها اليونانيون سابقا ، وقام الفينيقيون وخاصة صور وصيدا بإمداد الفرس باسطولين بحريين كبيرين.
في العام ٣٣٢ ق.م ، احرق اسكندر الكبير صور البحرية ودمرها في حملته على الإمبراطورية الفارسية انتقاما لاثينا.
حاصر الرومان قرطاجة لمدة ثلاث سنوات سنة ١٤٢ ق.م واحرقوها ودمروها بالكامل

اعتمدت قرطاجة في استراتيجيتها للتمدد على التحالفات السياسية وجيش كبير عماده مرتزقة والسيطرة على الممرات البرية والبحرية في المتوسط .

اولا: العداوة والانتقام
تعتبر إيران اقدم عدو وخصم للولايات المتحدة الأمريكية. بدأ الكباش في العام ١٩٧٩ مع الثورة الخمينية ، بينما بدأت العداوة والتي تحولت حاليا إلى خصومة مع الصين في سنة ١٩٩٦ ومع روسيا في العام ٢٠٠٧ بعد أن انقذ الرئيسان يلتسين و غورباتشوف في بداية التسعينيات روسيا من الدمار الاقتصادي باعتماد إصلاحات سياسية وإدارية شاملة.

استمرت العداوة مع إيران بالرغم من سقوط الاتحاد السوفياتي والتغيير السياسي الكبير في العراق مع اعدام الرئيس صدام حسين وتدمير العراق سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بعد الحرب وبالرغم من تعاقب الإدارات الديمقراطية والجمهورية الأميريكية.

اولا: التنافس في العلاقات الدولية:

ان المواجهة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية هي حكما حالة تنافس استراتيجي عميقة في العلاقات الدولية وترتبط بمصالح الأخيرة الحيوية وموقع إيران الجغرافي ودورها الإقليمي ووقوفها على منابع الثروة النفطية في الخليج.
ان هذه المنطقة ترتبط بالمصالح الاقتصادية والأمنية الأميريكية وقد ظهر ذلك واضحا في استراتيجية الدفاع الوطني العام ٢٠٢٦ في فقرة “الشرق الأوسط”.
وتكمن قوة طهران ليس فقط بالأيديولوجيا والعقيدة في تحويل الجغرافيا والنفوذ الإقليمي عبر الحلفاء إلى عناصر تعوض اختلال ميزان القوة العسكرية التقليدية، وقدرة أو احتمال أن تخرق إيران النفوذ الاستراتيجي الاميريكي رغم التفوق العسكري والتكنولوجي الاميريكي.

من هنا فإن الحرب أن حصلت بعد ٣ ت٢ أو بعده بسبب تحميل إيران خسارة الحزب الحاكم ، فهي تهدف قطعا إلى إضعاف قدرة إيران على إنتاج ادوات النفوذ والتهديد للجوار المعادي لها بما في ذلك التهديد النووي .

لذلك من الجيد أن نميز بين الحسم العسكري وتحقيق الغاية السياسية والاقتصادية للحرب . فقد تنجح الآلة العسكرية الاقوى في تدمير مقدرات عدوها ولكنها ربما تفشل في بناء حالة سياسية نهائية وأمنية تضمن إنهاء الصراع وهذا قد يعيد إنتاجه إلى ما لا نهاية.

ثانيا: الخطأ القرطاجي في دراسة العلاقات الدولية:

ان الدولة، اي دولة قد تمتلك قوة عسكرية رادعة نسبيا وتحالفات واسعة(روسيا والصين بالنسبة لإيران والاتحاد الأوروبي وكندا بالنسبة لاوكرانيا) وانتصارات ميدانية (اليمن، العراق ولبنان وضرب العاصمة موسكو والعمق الروسي في الحرب الأوكرانية) ، لكنها فشلت أو تفشل في فهم وإدراك طبيعة التحول في ميزان القوى وفي اهداف العدو أو الخصم الاستراتيجي وهذا ينطبق على ايران وعلى اوكرانيا.

تعاملت قرطاجة مع روما في البداية كقوة عظمى يمكن احتواء تمددها من خلال مبدأ توازن القوى والتسويات السياسية ، لكن المواجهة تدحرجت إلى صراع على النفوذ والسيطرة الأحادية.
والدرس المهم الذي يمكن استخلاصه من التجربة القرطاجية (كما صور ،كما قرطاجة) ليس بخسارة هنيبعل معركته وكان قد ربح معارك كثيرة ودمر الجيش الروماني وحاصر روما ولكن دون أن يتمكن من تغيير اهداف الحرب والنظام القائم.

ونستنتج هل بإمكان طهران تحويل صمودها وقدراتها العسكرية الكبيرة وجغرافيتها وشبكة تحالفاتها إلى توازن عسكري وسياسي مستدام ، ام أنها قد تقع في خطأ قرطاجة الفينيقية اي أنها تستطيع إلحاق أضرار بالخصم دون القدرة على منعه من تحقيق أهدافه وعدم الرضوخ لشروط إعادة التوازن في الشرق الأوسط؟

الخاتمة:
ان الحروب بين الأعداء الاستراتيجيين لا يمكن تحليلها وفهمها من خلال التصنيفات الأخلاقية والسياسية وعبارات الديمقراطية والتشدد الديني والإرهاب والسلام والشيطنة وحدها، ولكن تحليلها في ضوء المصالح الجيوسياسية وحسابات القوة والنفوذ وأهداف الردع الحديث والاحتواء التقليدي وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية ، يعطيها دلالة واضحة لإمكانية تغيير الخرائط السياسية والجغرافية في منطقة متحركة كالشرق الأوسط والاتحاد الأوروبي.
يمكن لأوكرانيا المضي قدما بحربها والدفاع عن أراضيها لسنوات ولكن لن تتمكن من تغيير اهداف العملية الروسية الخاصة وكذلك الأمر بالنسبة لإيران بالرغم من امتلاكها عناصر جغرافية تغير تقليديا موازين القوى.

بيروت في ٣١-١١-٢٠٢٦
العميد الركن البحري المتقاعد نقولا رعيدي

اترك تعليقاً