بقلم العميد الركن البحري المتقاعد نقولا رعيدي
أولاً: المقدمة
تشهد السياسة الأميركية تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحولاً تدريجياً، منتقلة من الجمع بين الضغط العسكري والمفاوضات إلى مقاربة تعتمد بصورة أكبر على الردع القسري، والضغط الاقتصادي، والتحكم في البيئة البحرية، والحد من قدرة إيران على إعادة بناء منظومات الصواريخ والطائرات المسيّرة وشبكة حلفائها الإقليميين.
يأتي هذا التحول بعد أشهر من العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية ضد إيران، التي أضعفت أجزاء مهمة من قدراتها العسكرية، من دون أن تؤدي إلى انهيار النظام الإيراني أو تخليه عن قدرته على تهديد القوات الأميركية وحلفائها وحرية الملاحة في الخليج ومضيق هرمز.
وتظهر المعطيات الحالية أن إيران لا تزال تمتلك قدرة على استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة وتهديد الملاحة البحرية، رغم تراجع قدراتها مقارنة ببداية الحرب.
ومن هنا يمكن فهم السياسة الأميركية باعتبارها انتقالاً من هدف إجبار إيران على الاستسلام السريع إلى محاولة إدارة قدرتها على الصمود واستنزاف مصادر قوتها تدريجياً، مع إبقاء الخيار العسكري جاهزاً في حال تجاوزت طهران الخطوط الحمراء الأميركية.
ثانياً: التحول في المقاربة الأميركية
يبدو أن إدارة الرئيس ترامب خلصت إلى أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لإحداث تغيير سياسي مستدام في إيران، كما أن المفاوضات وحدها لا تؤدي بالضرورة إلى تغيير السلوك الإيراني. وهكذا بدأت تتبلور معادلة ثلاثية: الضغط الاقتصادي + الردع العسكري + التفاوض المشروط.
وتستند هذه المقاربة إلى فكرة أساسية مفادها أن المفاوضات تكون أكثر فاعلية عندما تجري في ظل اختلال واضح في ميزان القوة لمصلحة الولايات المتحدة.
وتكمن المشكلة الأساسية أمام واشنطن في كيفية تحويل التفوق العسكري الأميركي إلى نتيجة سياسية قابلة للاستمرار من دون الانجرار إلى حرب مفتوحة وطويلة الأمد.
ثالثاً: العامل الأيديولوجي والسياسي الإيراني
يجب التعامل مع إيران باعتبارها دولة ذات منظومة أمن قومي وأيديولوجية متماسكة، وليس مجرد قوة عسكرية تقليدية.
فالقيادة الإيرانية تنظر إلى الصراع مع الولايات المتحدة باعتباره صراعاً طويل الأمد على الأمن والنفوذ والنظام الإقليمي.
لذلك فإن الضربات العسكرية، مهما كانت مؤلمة، لا تؤدي بالضرورة إلى الاستسلام السياسي.
وتكمن إحدى المعضلات الأساسية للاستراتيجية الأميركية في أن تدمير جزء من القدرات العسكرية الإيرانية لا يعني بالضرورة تدمير القدرة الإيرانية على مواصلة الحرب.
رابعاً: العوامل التركية والباكستانية والعربية
تشكل تركيا وباكستان والدول العربية عناصر أساسية في البيئة الاستراتيجية المحيطة بإيران.
تركيا، بحكم موقعها الجغرافي وعضويتها في حلف شمال الأطلسي وعلاقاتها المعقدة مع روسيا وإيران والدول العربية، تسعى إلى الحفاظ على هامش من الاستقلال في سياستها الخارجية. ولذلك لا يمكن افتراض أنها ستتبنى بصورة كاملة جميع الخيارات الأميركية تجاه طهران.
ويكتسب باكستان أهمية خاصة بسبب موقعها الجغرافي وقدرتها النووية وعلاقاتها مع السعودية والصين وحدودها مع إيران. وستحكم موقفها حسابات متعددة، من بينها تجنب انتقال الحرب إلى أراضيها أو تفاقم الاضطرابات الداخلية المرتبطة بالحدود الإيرانية.
أما السعودية ودول الخليج فتواجه معضلة مزدوجة: فهي تحتاج إلى المظلة الأمنية الأميركية، لكنها تخشى في الوقت نفسه أن يؤدي التصعيد الأميركي ـ الإيراني إلى تحويل أراضيها ومنشآتها النفطية إلى أهداف مباشرة.
خامساً: الصين وروسيا
يمثل العامل الصيني أحد أهم القيود على استراتيجية الضغط الأميركية. فالصين ليست مجرد طرف اقتصادي، بل قوة آسيوية ذات مصالح مباشرة في استقرار طرق التجارة والطاقة.
وقد أصبحت مسألة النفط الإيراني ومضيق هرمز جزءاً من الصراع الاستراتيجي بين واشنطن وبكين.
أما روسيا فلها حسابات مختلفة، وترى في الصراع جزءاً من منافستها الأوسع مع الولايات المتحدة، ومن تداعيات الحرب في أوكرانيا وإعادة تشكيل النظام الدولي.
ويمكن القول إن الصين تمتلك أساساً أدوات اقتصادية، بينما تمتلك روسيا أدوات سياسية وعسكرية؛ لكن لا يبدو أن أياً منهما مستعد بالضرورة لخوض مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة دفاعاً عن إيران.
سادساً: الانتخابات الأميركية والعامل السياسي الداخلي
يشكل العامل السياسي الداخلي الأميركي عنصراً مهماً في حسابات الرئيس ترامب.
وتفرض انتخابات منتصف الولاية لعام 2026 معادلة دقيقة: فمن جهة لا يريد الرئيس أن يظهر بمظهر من أدخل الولايات المتحدة في حرب طويلة ومكلفة، ومن جهة أخرى لا يريد أن يبدو كرئيس وجّه تهديدات قصوى من دون أن يتمكن من فرض شروطه.
ومن هنا تبرز أهمية استراتيجية الضغط من دون حرب شاملة.
إلا أن ارتفاع أسعار النفط أو زيادة الخسائر العسكرية أو استمرار الحرب لفترة طويلة قد يؤدي إلى نتائج سياسية عكسية داخل الولايات المتحدة.
سابعاً: مضيق هرمز – مركز الثقل الاستراتيجي
يمثل مضيق هرمز إحدى أهم نقاط الارتكاز في الصراع الحالي. فالمواجهة لم تعد مقتصرة على المنشآت العسكرية الإيرانية، بل امتدت إلى حرية الملاحة وأمن الطاقة العالمي.
ولا تحتاج إيران إلى امتلاك تفوق بحري تقليدي لتهديد الملاحة؛ إذ تستطيع استخدام الألغام البحرية والزوارق السريعة والصواريخ الساحلية والطائرات المسيّرة.
ومن هنا يتضح التحول في الاستراتيجية الأميركية: لم يعد الهدف فقط ضرب إيران، بل حرمانها من القدرة على إغلاق هرمز أو جعل الملاحة فيه غير قابلة للتأمين.
ثامناً: من العقوبات إلى الحصار الاقتصادي والبحري
من أبرز التطورات الاستراتيجية الجمع بين العقوبات الاقتصادية والضغط البحري.
فالعقوبات التقليدية قد تحتاج إلى سنوات لإحداث تأثير حاسم، بينما يمكن تقييد الصادرات بصورة أسرع أن يضغط على موارد إيران من العملات الأجنبية.
لكن هذه السياسة تحمل مخاطر كبيرة، إذ قد تدفع إيران إلى تصعيد الهجمات البحرية، واستهداف القواعد الأميركية والمنشآت النفطية الخليجية، وتوسيع نشاط حلفائها، واستخدام الألغام البحرية وزيادة الهجمات السيبرانية.
لذلك لا يمكن فصل الحصار الاقتصادي عن منظومة ردع عسكرية موثوقة.
تاسعاً: استراتيجية «الصدمة والرعب» وحدودها
تهدف استراتيجية «الصدمة والرعب» إلى إحداث تأثير عسكري ونفسي سريع يقنع الخصم بأن استمرار المقاومة أعلى كلفة من التراجع.
لكن الحالة الإيرانية تظهر حدود هذه النظرية أمام خصم يمتلك عمقاً جغرافياً واسعاً، وبنية تحتية موزعة، وقدرات صاروخية متحركة، وقابلية لخوض حرب غير متكافئة، وشبكة من الشركاء والحلفاء الإقليميين.
ومن ثم يمكن للضربة الاستراتيجية أن تضعف إيران من دون أن تضمن إجبارها على الاستسلام السياسي.
وتبدو المقاربة الأكثر فاعلية في الجمع بين الضربات المحدودة والاستنزاف الاقتصادي والضغط الدبلوماسي والحرب الإلكترونية والاستخبارات، ومنع إعادة بناء القدرات العسكرية.
عاشراً: عقيدة أميركية جديدة – الردع بالحرمان
يمكن تلخيص الاتجاه الأميركي الحالي بمفهوم «الردع بالحرمان».
ولا يقتصر الأمر على تهديد إيران بعقاب مؤلم إذا هاجمت، بل يشمل منعها مسبقاً من امتلاك الوسائل اللازمة لتحقيق أهدافها.
- منع إعادة بناء منظومة الدفاع الجوي.
- تدمير أو تعطيل منصات إطلاق الصواريخ
- مراقبة الموانئ والممرات البحرية.
- إزالة الألغام وتأمين الطرق البحريةقطع شبكات التمويل.
- منع الوصول إلى التكنولوجيا العسكرية.
- إضعاف شبكات الجماعات الحليفة.
- حماية القواعد الأميركية.
- حماية منشآت الطاقة في الخليج.
- الحفاظ على تفوق دائم في الاستخبارات والقوة الجوية والبحرية.
الحادي عشر: الجبهة الداخلية الإيرانية
يبقى العامل الداخلي الإيراني متغيراً استراتيجياً بالغ الأهمية. فالضغط الاقتصادي المستمر قد يؤدي إلى ارتفاع التضخم وتراجع قيمة العملة وزيادة السخط الشعبي.
لكن من الخطأ افتراض أن الضغوط الاقتصادية ستؤدي تلقائياً إلى سقوط النظام، إذ تستطيع الأنظمة ذات الأجهزة الأمنية القوية أحياناً استخدام العقوبات والحروب الخارجية لتعبئة المجتمع حول فكرة الدفاع الوطني.
وعليه: الانهيار الاقتصادي لا يعني بالضرورة الانهيار السياسي.
الثاني عشر: التحدي العسكري الأميركي
لا تخلو الاستراتيجية الأميركية نفسها من نقاط ضعف. فالحرب الطويلة تستهلك الصواريخ الاعتراضية والذخائر الدقيقة وساعات الطيران والقطع البحرية والموارد اللوجستية والقدرات الاستخباراتية.
وتزداد أهمية هذا العامل لأن الولايات المتحدة لا تواجه إيران وحدها، بل تحتاج في الوقت نفسه إلى الحفاظ على قدراتها في أوروبا وآسيا والمحيطين الهندي والهادئ.
وبالتالي فإن حرب الاستنزاف الطويلة ليست بالضرورة في مصلحة الولايات المتحدة، حتى مع تفوقها العسكري.
الثالث عشر: السيناريوهات الاستراتيجية المقبلة
السيناريو الأول: تسوية تفاوضية من موقع القوة. تعمل واشنطن على تثبيت مكاسبها العسكرية والاقتصادية ثم تستخدمها للضغط على طهران للعودة إلى اتفاق أكثر صرامة.
السيناريو الثاني: حرب استنزاف محدودة. تستمر الضربات الأميركية والإيرانية المتقطعة من دون الانتقال إلى حرب شاملة، بما يخلق مخاطر مستمرة على الطاقة والملاحة.
السيناريو الثالث: تصعيد واسع. قد يؤدي استهداف منشأة أميركية كبيرة أو منشأة نفطية خليجية أو إغلاق مضيق هرمز بصورة كاملة إلى انتقال المواجهة إلى مرحلة أشد.
السيناريو الرابع: اضطراب داخلي إيراني. قد يؤدي استمرار الضغط الاقتصادي والعسكري إلى اضطرابات داخلية واسعة، لكن هذا السيناريو لا يمكن اعتباره مضموناً أو وشيكاً بالضرورة.
السيناريو الخامس: إعادة تشكيل النظام الإقليمي. قد يؤدي إضعاف إيران وشبكة حلفائها إلى إعادة توزيع النفوذ بين الولايات المتحدة وتركيا والسعودية وإسرائيل والعراق، مع سعي الصين وروسيا إلى الحفاظ على موطئ قدم في النظام الإقليمي الجديد.
الرابع عشر: التداعيات الاستراتيجية على لبنان
يشكل لبنان إحدى أكثر الساحات حساسية في هذه المعادلة.
إذا نجحت الولايات المتحدة في الحد من قدرة إيران على تمويل وتسليح حلفائها الإقليميين، فإن ذلك سيؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة على قدرة حزب الله على إعادة بناء قدراته العسكرية.
وقد يؤدي استمرار الصراع الإيراني ـ الأميركي إلى زيادة الضغط على لبنان لإعادة حصر القرار العسكري والأمني بيد الدولة، أو إلى محاولة استخدام الساحة اللبنانية كورقة ضغط إيرانية في أي مواجهة مستقبلية.
وبالتالي فإن مستقبل لبنان لن يتحدد فقط بالوضع الداخلي، بل أيضاً بنتيجة الصراع على إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي.
الخامس عشر: التقدير الاستراتيجي النهائي
تمر سياسة الرئيس ترامب تجاه إيران بمرحلة انتقال من التهديد العسكري المباشر إلى نموذج أكثر تعقيداً يجمع بين القوة العسكرية والضغط الاقتصادي والسيطرة على البيئة البحرية والتفاوض المشروط.
لقد أثبتت الأشهر الماضية قدرة الولايات المتحدة على إلحاق أضرار كبيرة بالبنية العسكرية الإيرانية، لكنها لم تثبت أن القوة الجوية والبحرية وحدها قادرة على إنتاج استسلام سياسي إيراني.
وفي المقابل، أثبتت إيران أنها لا تزال قادرة على فرض كلفة استراتيجية على الولايات المتحدة وحلفائها، خصوصاً بواسطة الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام والحرب البحرية غير المتكافئة.
وعليه، لم تعد المعركة تدور فقط حول من يستطيع تدمير أكبر عدد من الأهداف، بل حول من يستطيع الصمود لفترة أطول وتحويل القوة العسكرية إلى نتيجة سياسية واقتصادية مستدامة.
ويمكن تلخيص مركز الثقل في المرحلة المقبلة على النحو الآتي: مضيق هرمز ← النفط ← الاقتصاد الإيراني ← إعادة بناء القدرات العسكرية ← الحلفاء الإقليميون ← المفاوضات.
السادس عشر: الخلاصة
يدخل الشرق الأوسط مرحلة إعادة تشكيل استراتيجية لا يمكن اختزالها في مواجهة عسكرية تقليدية بين الولايات المتحدة وإيران.
تسعى الولايات المتحدة إلى تثبيت تفوقها العسكري ومنع إيران من إعادة بناء قدراتها وشبكة نفوذها؛ وتسعى إيران إلى الحفاظ على قدرتها الردعية ورفع كلفة الوجود الأميركي؛ وتسعى الصين إلى حماية مصالحها الاقتصادية والطاقة؛ بينما تسعى روسيا إلى توظيف الأزمة في إطار صراعها الأوسع مع واشنطن.
وفي هذه البيئة يصبح مضيق هرمز مركز الثقل الاستراتيجي للصراع، لأن التحكم في الملاحة والطاقة يمنح الطرف القادر عليه نفوذاً يتجاوز قيمته العسكرية المباشرة.
وتتمثل المعضلة الأساسية أمام الرئيس ترامب في تحقيق معادلة صعبة: إضعاف إيران بما يكفي لردعها، من دون إغراق الولايات المتحدة في حرب استنزاف تصبح كلفتها السياسية والعسكرية والاقتصادية غير محتملة.
وعليه، فإن أفضل توصيف للمرحلة الحالية ليس «الحرب» ولا «السلام»، بل صراع ردع وضغط وتفاوض تحت سقف حرب شاملة لم تُحسم بعد.
وسيُقاس نجاح الاستراتيجية الأميركية في النهاية بقدرتها على تحقيق أربعة أهداف مترابطة: ضمان حرية الملاحة؛ خفض القدرات العسكرية الإيرانية؛ منع إعادة بناء شبكة الحلفاء الإقليميين لطهران؛ وإجبار إيران على قبول تسوية سياسية تفاوضية من موقع قوة أميركية.
بيروت – 2 أيلول/سبتمبر 2026
العميد الركن البحري المتقاعد
نقولا رعيدي
