العميد المتقاعد جاك باكايف*
تضمّن البيان الوزاري لحكومة الرئيس نواف سلام، التي نالت ثقة مجلس النواب في 26 شباط 2025 بأغلبية 95 صوتًا، التزامًا واضحًا بإنشاء وزارة للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، حيث ورد فيه:
“وستعمل الحكومة على إنشاء وزارة للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، تضع وتنفّذ استراتيجية مستقبلية طموحة تهدف إلى جذب الطاقات اللبنانية، وتحفيز الاستثمار في القطاعات المتقدمة، وتسريع تبنّي التقنيات الحديثة، وتشجيع الشركات الناشئة، وتعزيز الابتكار.”
وفي إطار تنفيذ هذا الالتزام، أُحيل إلى مجلس النواب مشروع قانون إنشاء وزارة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بموجب المرسوم رقم 1286، تاريخ 19 أيلول 2025.
وخلال الجلسة التشريعية العامة المنعقدة بتاريخ 15 تموز 2026، قرر مجلس النواب إحالة مشروع القانون إلى اللجان النيابية المشتركة لدراسته وإبداء الرأي بشأنه، تمهيدًا لاستكمال مساره التشريعي.
وبالتالي، لم يُقرّ المشروع، الأمر الذي يطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا تعثّر المشروع؟ وكيف يمكن إعادة إطلاقه بما يحقق أهدافه الوطنية؟
ملاحظات على مسار المشروع
استغرق المشروع ما يقارب سنةً وخمسة أشهر منذ إعلان الالتزام به في البيان الوزاري حتى وصوله إلى اللجان النيابية، من دون أن يكتمل مساره التشريعي.
بطء المسار التشريعي
ويكتسب عامل الوقت أهمية خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن العمر الطبيعي لهذه الحكومة كان ينتهي مع الانتخابات النيابية في أيار 2026، وأن استمرارها جاء نتيجة تمديد ولاية مجلس النواب. وبذلك يكون المشروع قد تجاوز عمليًا الإطار الزمني الذي كان يُفترض إنجازه خلال ولاية الحكومة.
ضعف الأسباب الموجبة
أما الملاحظة الثانية، وهي الأهم، فتتمثل في غياب المقاربة التشاركية. فرغم وجود مجتمع تقني نشط، وقطاع خاص يمتلك خبرات متقدمة، وجامعات ومراكز أبحاث، إضافة إلى جمعيات مهنية ومدنية معنية بالتحول الرقمي، وتوقيع مذكرات تفاهم وتعاون بين مكتب وزير الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وعدد من هذه الجهات، لم تُطرح مسودة المشروع للنقاش العام (Public Consultation)، ولم تُنظَّم مشاورات أو جلسات استماع مع أصحاب المصلحة، خلافًا لما تقتضيه أفضل الممارسات العالمية (Best Practices) في إعداد التشريعات الحديثة، ولا سيما في القضايا المرتبطة بالاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.
ويُضاف إلى ذلك أن الأسباب الموجبة لمشروع القانون – المرسوم رقم 1286 – جاءت مقتضبة للغاية، ولم تتجاوز نصف صفحة، من دون أن تقدم رؤية متكاملة تبرر إنشاء وزارة جديدة، أو توضح أثرها في التنمية الاقتصادية، والإصلاح الإداري، والتحول الرقمي، وبناء اقتصاد المعرفة. ويبدو المرسوم، على حد تعبير بعض المطلعين، “وكأنه صيغ على عجل بواسطة الذكاء الاصطناعي”.
ولم يكن مستغربًا، بعد ذلك، أن تصدر عدة دراسات ومراجعات قانونية وتقنية تناولت المشروع بالنقد والتحليل التفصيلي.
وبناءً عليه، لا تتناول هذه الورقة الملاحظات التقنية على مشروع القانون، لأن الدراسات المنشورة قامت بهذا الجانب بصورة كافية ووافية، بل تركز على المنهجية التي أُدير بها هذا الملف.
ضعف حملة المناصرة
ولم ترتقِ حملة الدفاع عن المشروع إلى مستوى النقاش العلمي، إذ اقتصر الرد، في كثير من الأحيان، على التشكيك بمنتقدي المشروع أو وصف بعض التقارير بأنها «مشبوهة»، من دون تقديم ردود تقنية أو قانونية على الملاحظات المطروحة.
ونتيجة لذلك، كانت حملات النقد أكثر تأثيرًا وإقناعًا من حملات التأييد.
ما العمل؟
إذا كان الهدف هو إنشاء وزارة قادرة على قيادة التحول الرقمي في لبنان، بحسب التزام الحكومة في بيانها الوزاري، فإن المطلوب اليوم هو إعادة النظر في المقاربة للوصول إلى منظومة قادرة على قيادة التحول الرقمي لعقود مقبلة، وليس مجرد تعديل بعض مواد مشروع القانون.
سحب المشروع وإعادة بنائه
ومن الأفضل أن تبادر الحكومة إلى سحب مشروع القانون من مجلس النواب، وإعادة العمل عليه وفق منهجية تشاركية كالاستشارة العامة (Public Consultation)او تشارك بين القطاع العام و الخاص و المجتمع المدني و التقني بدل الاستمرار في الدفاع عن نص لا يحظى بتوافق وطني وتقني.
إطلاق استراتيجية وطنية أولًا
فالمنهج السليم يقتضي أن تبدأ الدولة بوضع استراتيجية وطنية للتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي تعتمدها الحكومة رسميًا، وتحدد من خلالها الرؤية، والأهداف، والأولويات، وآليات التنفيذ، ومؤشرات الأداء، ومصادر التمويل، وأدوار مختلف الجهات المعنية. بعد ذلك، يُصمَّم الهيكل المؤسسي، وتُحدد مهام الوزارة بما يخدم تنفيذ هذه الاستراتيجية. ويمكن الاستفادة من نماذج الإدارة الحديثة، مثل نموذج McKinsey 7S، لضمان الاتساق بين الهيكلية، والأنظمة، والموارد البشرية، والمهارات، والثقافة المؤسسية، والأهداف الاستراتيجية.
البدء بالحد الأدنى القابل للتطبيق (MVP)
وفي ظل عالم يتسم بالتقلب، وعدم اليقين، والتعقيد، والغموض (VUCA)، ينبغي أن تتمتع الوزارة بالمرونة والقدرة على التكيف مع التطورات المتسارعة، وأن تبدأ بمهام أساسية ذات أثر مباشر وقابل للقياس، وفق مفهوم الحد الأدنى القابل للتطبيق (Minimum Viable Product – MVP)، ثم تتوسع تدريجيًا بناءً على النتائج.
اعتماد منهجية التفكير المنظومي (Systems Thinking)
كما ينبغي اعتماد التفكير المنظومي (Systems Thinking)، لأن التحول الرقمي ليس مشروع وزارة واحدة، بل مشروع وطن ودولة متكاملين، يشمل الإدارة العامة، والتعليم، والاقتصاد، والأمن السيبراني، والابتكار، والبحث العلمي، والبنية التحتية الرقمية، والاستثمار.
بناء إطار حوكمة واضح (Governance Framework)
ومن الضروري أيضًا إنشاء إطار حوكمة (Governance Framework) يحدد المسؤوليات، وآليات التنسيق، واتخاذ القرار، ويربط بين الاستراتيجية والتنفيذ (Strategy to Execution)، مع اعتماد مؤشرات أداء واضحة لقياس النتائج ومراجعتها بصورة دورية.
إطلاق حملة مناصرة وطنية
وأخيرًا، يحتاج هذا المشروع إلى حملة مناصرة وطنية (Advocacy) تقوم على الحوار، والشفافية، وإشراك أصحاب المصلحة، لا على الاكتفاء بالدفاع عن النصوص. فالمناصرة الفاعلة لا تكتفي بالترويج للمشروع، بل تسعى إلى تحسينه وبناء توافق وطني حوله.
إن إنشاء وزارة للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يمثل فرصة تاريخية للبنان، وهو في الوقت نفسه مسؤولية وطنية كبرى. فنجاح الوزارة لن يتحقق بمجرد إصدار قانون، بل بوجود رؤية وطنية واضحة، وحوكمة فعالة، وتوافق مجتمعي واسع، وآليات تنفيذ ومتابعة وقياس أداء.
فالتحول الرقمي ليس مشروع وزارة، بل مشروع وطن ودولة، والوزارة ليست سوى إحدى أدوات تنفيذ استراتيجية وطنية شاملة تقود لبنان نحو اقتصاد رقمي تنافسي، ومجتمع معرفي، وتعزز الابتكار، وتخلق بيئة جاذبة للاستثمار، وتسهم في تحقيق التنمية المستدامة، وبناء وطن قادر على مواجهة تحديات المستقبل.
بيروت في 21/7/2026
مركز الولاء للوطن للبحوث والدراسات

العميد المتقاعد جاك باكايف
ناشط في مجال التعاون بين القطاع العام والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمجتمع التقني لتطوير البيئة الرقمية.
مستشار مركز الولاء للوطن للبحوث والدراسات لشؤون التكنولوجيا والتحول الرقمي
